السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

493

مفاتيح الأصول

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم القول في الإجماع ودليل الفتوى مقدّمة اعلم أن الإجماع لغة يطلق على معنيين أحدهما العزم ومنه قوله أجمعوا أمركم أي اعزموا وثانيهما الاتفاق وهو شائع وقد اختلف القوم في تعريفه بحسب الاصطلاح فعرفه الغزالي بأنه اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وآله على أمر من الأمور الدّينية وعرفه الرازي بأنه اتفاق أهل الحل والعقد من أمته صلى الله عليه وآله على أمر من الأمور وعرّفه الحاجبي بأنه اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر وعرفه المحقق في المعارج بأنه اتفاق من يعتبر قوله في الفتاوى الشرعية على أمر من الأمور الدّينية قولا كان أو فعلا ويستفاد من قوله اتفاق من يعتبر قوله إلى آخره أن اتفاق العوام وإن علم بدخول المعصوم عليه السلام فيهم ليس بإجماع ويظهر من بعض أنه إجماع عند الإمامية ولعل عبارة المحقق محمولة على الغالب وهو اختصاص تحقق الاتفاق بمن يعتبر قوله ثم إن الظاهر أن المراد ممن يعتبر قوله الموجودون دون المعدومين الَّذين يتجددون وإلا يلزم أن لا يتحقق إجماع إلى آخر الدنيا ولعلّ الوجه في العدول عن لفظ المجتهدين إلى من يعتبر قوله في الفتاوى الشرعية التنبيه على أن المعتبر في الإجماع عند الإمامية دخول المعصوم عليه السلام في جملة المجمعين فتأمل ويستفاد من قوله في الفتاوى الشرعية أن اتفاق من يعتبر قوله في المسائل غير الشرعية كالنّحوية والصّرفية لا يعد إجماعا بحسب الاصطلاح وذلك لأنهم كالعوام في المسائل الدّينية ويستفاد من القول المزبور أيضا أن المعتبر في الإجماع اتفاق من يعتبر قوله في جميع الفتاوى الشرعية فيخرج إجماع المتجزين على حكم اجتهدوا فيه ويستفاد من قوله على أمر من الأمور الدّينية تحقق الإجماع في أصول الدين وعدم تحققه في غيره وإن تحقق اتفاق من يعتبر قوله في الفتاوى الشّرعية مفتاح قال في المعارج عندنا أن زمان التكليف لا يخلو من إمام معصوم عليه السلام حافظ للشرع يجب الرّجوع فيه إليه فإذا تقرّر هذا فمتى اجتمعت الأمة على قول كان ذلك الإجماع حجة ولو فرض خلو الزّمان عن ذلك الإمام لم يكن حجة فمع وجود الإمام الإجماع حجة للأمن على قوله من الخطأ والقطع على دخوله في جملة المجمعين فعلى هذا الإجماع كاشف عن قول الإمام عليه السلام لأن الإجماع حجة في نفسه من حيث هو إجماع انتهى قلت وقد صرّح بما ذكره السّيّد المرتضى رحمه الله والشيخ وابن إدريس وابن زهرة والقطب الرّاوندي والعلَّامة وابنه والسيّد عميد الدّين والشّهيدان وغيرهم وبالجملة من قال من أصحابنا بأنّ الإجماع حجّة فإنما قال باعتبار كونه كاشفا عن قول المعصوم عليه السلام لا لكونه إجماعا وهذه سجيّتهم وطريقتهم في حجّيته حتى اشتهر ذلك بين المخالفين قال الشيخ وابن زهرة كما عن ابن الرّاج فإن قيل وإذا كان المرجع بكون الإجماع عندكم إلى قول المعصوم عليه السلام وليس للإجماع تأثير في ذلك كان قولكم الإجماع حجة لغوا لا فائدة فيه قيل نحن لا نبدأ بالقول إن الإجماع حجّة بل إذا سئلنا فقيل لنا ما قولكم في إجماع المسلمين قلنا هو حق وحجة من حيث كان قول المعصوم عليه السلام داخلا في إجماعهم وهذا كما قيل لنا في جماعة فيها نبيّ هل قول هذه الجماعة حق وحجة فإنه لا بدّ في الجواب لنا ولكلّ مسؤول عن ذلك من القول بأنه حجة وإن كان لا تأثير لقول من عدا النّبيّ صلى الله عليه وآله في ذلك على أن قول الإمام عليه السلام إذا جاز أن يلتبس ويشتبه إما لغيبته أو لغيرها لم يكن بدّ من الرّجوع إلى إجماع الإمامية أو علمائها ليعلم دخول قول الإمام فيه ومن القول بأنه حجة لاشتماله على قول المعصوم عليه السلام انتهى وقد تحصل مما ذكر أن الإجماع عند الإمامية هو الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام فلا ريب حينئذ في حجيّته وقد أشار إلى ما ذكر السّيد الأستاذ رحمه الله فقال الإجماع عندنا هو الاتفاق الكاشف عن قول المعصوم عليه السلام سواء انفردت به الفرقة النّاجية أو انضم إليه غيرها من فرق المسلمين وسواء بلغ حد الضرورة من المذهب أو الدّين أو لم يبلغ ذلك مع حصول اليقين وسواء عم فقهاء عصر واحد أو اختصّ بالبعض الكاشف عن قول الحجّة من الطائفة المحقة والإجماع بهذا المعنى يلزمه الحجيّة ولا تفارقه قطعا فإن قول المعصوم عليه السلام حجة بالضرورة فكذا الكاشف عنه نعم وجود الكاشف وعمومه في الأعصار يتوقف على وجود الإمام وثبوت عصمته وعدم خلو الأرض منه وهذه أمور مقررّة في الأصول معلومة من المذهب وقد أشير إلى حجيّة إجماع الأمّة فيما رواه الفريقان عن النّبي صلى الله عليه وآله من قوله لا تجتمع أمتي على ضلالة وقوله من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وإلى ما يعمّه وغيره ما ورد من لزوم اتباع الجماعة والمنع من الخلاف والفرقة مع تفسير الجماعة بأهل الحق وإن قلَّوا والفرقة بأصحاب الباطل وإن كثروا ووافقنا أهل الخلاف على الأوّل وإن خالفوا في التعليل فإنهم عرفوا الإجماع باتفاق أهل الحلّ والعقد من الأمّة وجوّزوا الخطاء على الجميع وأثبتوا العصمة للمجموع واستندوا في ذلك إلى نحو ما مرّ مما ليس الوجه فيه مجرّد اتفاق الآراء بل وجود المعصوم عليه السلام من المخاطبين العلماء ولو أنهم وقفوا على الحدّ الذي قرّروه لكان كلّ إجماع عندهم إجماعا عندنا من غير عكس وإن اختلف التعليل في محلّ الوفاق لكنهم أثبتوا الإجماع مع مخالفة الشيعة بل مع اتفاق علماء المذاهب الأربعة فانتفت الكليّة من الطرفين وثبت العموم من وجه بين الإجماعين ولو قيل في تحديده إنه اتفاق الفرقة غير المبتدعة لصحّ على جميع المذاهب على اختلافها في تعيين تلك الفرقة فإنه اختلاف في المصداق دون المفهوم ثم قال في جملة كلام له الإجماع لا يتوقف في الإيصال إلى المقصود بنفسه إلى شيء ودليل بمعنى أنه لا يحتاج في كونه موصلا إلى واسطة